الجنيد البغدادي
76
رسائل الجنيد
حكى خادم الشيخ الأجل أبي يزيد البسطامي رضي اللّه عنه قال : قال لي أبو يزيد البسطامي قدس اللّه سره : رأيت في المنام كأني قاصد إلى اللّه تعالى طالبا مواصلته سبحانه وتعالى على أن أقيم معه إلى الأبد فامتحنت بامتحان لا تقوم له السماوات والأرض وما فيهما لأنه بسط لي بساط العطايا نوعا بعد نوع ، وعرض على ملك كل سماء ففي ذلك كله أغضضت بصري عنها كلها لما علمت أنها تقطعني وإنما هي تجربة لي فكنت لا ألتفت إليها إجلالا لحرمة ربي ، كنت أقول في كل ذلك كله : يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي . قال خادم الشيخ رحمه اللّه تعالى : فقلت له : صف لي يا أستاذ مما عرض عليك من ملك كل سماء ، فقال رضي اللّه عنه : رأيت في المنام كأني عرجت إلى السماوات فلما أتيت السماء الدنيا فإذا أنا بطير أخضر فنشر جناحا من أجنحته فحملني عليه وطار بي حتى انتهى بي إلى صفوف الملائكة وهم قيام منحرفة أقدامهم في التخوم ، يسبحون اللّه بكرة وعشيا فسلمت عليهم ، فردوا على السلام ، فوضعني الطير بينهم ثم مضى ، فلم أزل أسبح اللّه تعالى بينهم وأحمد اللّه بلسانهم ، وهم يقولون هذا آدمي لا نوري لجأ إلينا ، وتحكم معنا ، قال : فألهمت كلمات ، قلت بسم اللّه القادر على أن يغنيني عنكم ، ثم لم أزل يعرض على الملك الجليل من الملك ما كلت الألسن عن نعته وصفته ، فعلمت أنه يجربني بها ، وفي ذلك كله كنت أقول : يا عزيزي مرادي غير ما تعرض علي ، ولم ألتفت إليها حرمة لإجلاله ، ثم رأيت كأني عرجت إلى السماء الثانية فسارعوا إلى الملائكة فوجا بعد فوج ينظرون إلى كما ينظر أهل المدينة إلى أمير يدخلها ، ثم جاءني رأس الملائكة واسمه لاوين ، وقال : أبا يزيد إن ربك يقرئك السلام ويقول : أبا يزيد أحببتني فأحببتك ، فانتهى بي إلى روضة خضراء فيها نهر يجري حوله ملائكة طيارة يطيرون كل يوم إلى الأرض مائة ألف مرة ينظرون إلى أولياء اللّه ، ووجوههم كضياء الشمس ، وقد عرفوني بمعرفتهم لي في الأرض فجاءوني وحيوني وأنزلوني على شط ذلك النهر وإذا على حافتيه أشجار من نور ولها أغصان كثيرة متدلية في الهواء وإذا على كل غصن منها وكر طير وإذا في كل وكر ملك من الملائكة ساجد ، وكنت كلما وقفت على شيء من ذلك أقول : يا عزيزي مرادي غير ما تعرض